العيني
98
عمدة القاري
يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبا ، فأخذ خشبة فنقرها فأحل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها ثم أتى به إلى البحر ، فقال : اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار ، فسألني كفيلاً فقلت : كفى بالله كفيلاً ، فرضي بك ، وسألني شهيدا ، فقلت : كفى بالله شهيدا ، فرضي بك ، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له ، فلم أقدر ، وإني أستودعتكها . فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده ، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله ، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا ، فلما نشرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدم الذي كان أسلفه ، فأتى بالألف دينار ، فقال : والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه ، قال : هل كنت بعثت إلي بشيء ؟ قال : أخبرتك إني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه . قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة ، فانصرف بالألف دينار راشدا . وأما الذي في الاستقراض فأخرجه مختصرا في : باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى ، فقال : وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ( عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ، فدفعها إليه إلى أجل مسمى . . . ) فذكر الحديث . وأما الذي في اللقطة ، فأخرجه في : باب إذا وجد خشبة في البحر أو سوطا أو نحوه ، وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل ) ، وساق الحديث ( فخرج ينظر لعل مركبا قد جاء بماله فإذا هو بالخشبة ، فأخذها لأهله حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة . وأما الذي في الشروط فأخرجه في : باب الشروط في الفرض مختصرا ، وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز ( عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر رجلاً سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فدفعها إليه إلى أجل مسمى ) . وأما الذي في الاستئذان فأخرجه في : باب بمن يبدأ في الكتاب ، وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ( عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل أخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار ، وصحيفة منه إلى صاحبه ) ، وقال عمر ابن أبي سلمة ( عن أبيه عن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نجر خشبة فجعل المال في جوفها وكتب إليه صحيفة من فلان إلى فلان ) . النوع الثالث : في معاني الحديث ، فقوله : ( أن يسلفه ) ، بضم الياء ، من أسلف إسلافا ، يقال : سلفت تسليفا وأسلفت إسلافا ، والاسم السلف ، وهو في المعاملات على وجهين : أحدهما القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر ، وعلى المقترض رده ، والعرب تسمي القرض سلفا . والثاني : هو أن يعطي مالاً في سلعة إلى أجل معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف ، وذلك منفعة للمسلف ، ويقال له : سلم ، والمراد ههنا هو المعنى الأول . قوله : ( فلم يجد مركبا ) ، أي : سفينة يركب عليها ويجيء إلى صاحبه أو يبعث فيها شيئا إليه لقضاء دينه . قوله : ( فأخذ خشبة ) والخشبة واحدة الخشب . قوله : ( فنقرها ) أي : قوَّرها . قوله : ( ورمى بها ) ، أي : الخشبة المنقورة قاصدا وصولها إلى صاحب المال . قوله : ( فإذا بالخشبة ) أي : فإذا هو مفاجىء بالخشبة . قوله : ( حطبا ) ، نصب على أن أخذ من أفعال المقاربة ، فيعمل عمل كان ، ويجوز أن يكون منصوبا بمقدر تقديره فأخذها يجعلها حطبا ، يعني : يستعملها استعمال الحطب في الوقيد . قوله : ( بالشهداء ) ، جمع شهيد بمعنى : شاهد ، قوله : ( يقدم ) ، بفتح الدال من قدم يقدم من : باب فعل يفعل بكسر العين في الماضي ، وفتحها في الغابر . قوله : ( فأحل فيها ) من الإحلال ، وهو الإنزال والمراد وضع في الخشبة المنقورة ألف دينار . قوله : ( وصحيفة ) بالنصب عطف على ألف دينار ، والمراد منها المكتوب . قوله : ( ثم زجج موضعها ) ، أي : أصلح موضع النقرة وسواه ، قيل : لعله من تزجيج الحواجب وهو التقاط زوائد الشعر الخارج عن الخدين ، وإن أخذ من الزج وهو سنان الرمح فيكون النقر قد وقع في طرف من الخشبة فسد عليه رجاء أن يمسكه ويحفظ ما في بطنه . قوله : ( تسلفت ) ، من باب التفعل معناه : افترضت . قوله : ( جهدت ) من باب : فعل يفعل ، بالفتح فيهما أي : تحملت المشقة . قوله : ( ولجت ) ، من الولوج وهو : الدخول . قوله : ( فلما نشرها ) أي : قطعها بالمنشار . قوله : ( بالألف دينار ) ، هو جائز على رأي الكوفيين . قوله : ( راشدا ) نصب على الحال من فاعل : انصرف .